اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

161

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ورجع إليه كونيك مرة أخرى في مقال واف عالج فيه مسألة ذكره للروس 39 . ولم تلبث أن ظهرت طبعة جديدة للكتاب بواسطة دى خويه ( 1892 ) ، وتم تتويج كل هذا بظهور ترجمة نموذجية للكتاب بقلم فييت G . Wiet ( 1937 ) تحتوى على تعليقات وافية . أما من الناحية الأدبية فإن كتاب اليعقوبي يمتاز على كتاب ابن خرداذبه بصورة قاطعة رغما من أنه قصد به نفس الوسط من القراء الذين كتب من أجلهم ابن خرداذبه . - - وهو قليلا ما يكترث للنظرية الجغرافية بل هدفه إعطاء لوحة عامة للبلدان لمن يريدون الإلمام السريع بها . وقراؤه ، باستثناء المطلعين والراغبين في المعرفة ، هم على ما يبدو موظفو الدولة العديدين الذين كانوا يبتغون تعريف أنفسهم ببلد أو آخر قبل الذهاب إليه . وهو ليس بعرض جاف للطرق على طراز ابن خرداذبه بل يقرب أكثر من النمط المتأخر « لكتاب المسالك والممالك » كما عرفته المدرسة الكلاسيكية في القرن العاشر ، أضف إلى هذا أن أسلوبه علمي مبسط وسهل المأخذ . ويحس في الكتاب نزعة المؤلف إلى التحليل العقلي ، ولا عجب فهو يخلو من أي أثر للعجائب Mirabilia التي افتتن بها المؤلفون الآخرون . وقل أن تقابلنا اقتباسات أو نقل من كتاب اليعقوبي لدى المؤلفين المتأخرين ، غير أن القليل الذي وجد منها يرجع إلى أسماء معروفة في ميدان الجغرافيا مثل الإدريسى وياقوت وأبي الفداء ، ويعتبره الأخير مصدرا هاما يمكن وثوق به . وبخلاف مصنفه الجغرافي هذا فقد وصلنا عن اليعقوبي أيضا كتاب في التاريخ هو « تاريخ اليعقوبي » في جزئين ، وهو مصنف له مكانته في ميدان التاريخ أضف إلى هذا أنه يحفل بالمادة الجغرافية أو على الأصح الاثنوغرافية . وعلى أية حال فوفقا لما جاء في المقدمة التي سقنا شذرة منها فيما سبق من الكلام فإن اليعقوبي يعتبر نفسه جغرافيا قبل كل شئ . هذا وقد كان مجال نشاطه الأدبي من السعة بحيث لم يكن غريبا عليه قرض الشعر ، وتنسب إليه في هذا الصدد أبيات قالها حين زيارته للطولونيين بمصر 40 . وعلى النقيض من اليعقوبي فإنه يغلب عند البلاذري جانب التاريخ على جانب الجغرافيا ، بل إنه يحتل مكانة مرموقة في الميدان الأول لمحاولته تطبيق المنهج البراغمى ( Pragmatic ) فيه ؛ ويمكن اعتباره ليس جامعا فحسب بل ومؤرخا بمعنى الكلمة . ولقد حفظ لنا البلاذري مادة هامة في محيط الجغرافيا التاريخية يستحيل معها إغفال ذكر صاحبها في عرض للأدب الجغرافي . وكان البلاذري مقربا أيضا من بلاط الخلفاء كمعاصريه اللذين مر ذكرهما قبل قليل ، ولكن لا في مرتبة الموظف الكبير بل في مرتبة أكثر تواضعا وهي التدريس ؛ وكان من تلامذته الشاعر والأديب الذي استخلف « ليوم واحد » عبد اللّه بن المعتز . ويجب أن نطرح القصة التي تحيط بأصل لقبه وهو أنه سمى بذلك لأنه كان يفرط في أكل البلاذر حتى مات من جراء ذلك ، إذ ليس مألوفا لدى العرب إضافة النسبة عقب وفاة صاحبها ، فضلا عن أن جده قبله كان يحمل هذا اللقب 41 .